ابن حمدون
312
التذكرة الحمدونية
بالرياحين والآس ، وأقام في أحد جانبيه أربعة آلاف غلام تركيّ عليهم اللَّباس المرتفع والمناطق المعرّقة بالفضة ، وبيد كل واحد شهريّ من أفره الدّوابّ ، كلَّها مجلَّلة مبرقعة بالديباج ، وعلى رأس كلّ غلام عمامة من جنس لباسه ، وفي الجانب الآخر أربعة آلاف وصيفة تركيّة عليهن ثياب من الملحم الفاخر وغيره ، وقد بسط في صدر الميدان بسط عليها الأنطاع صبّت عليها الأموال حتى صارت جبلا عظيما ، وبحذائها نوافج المسك مثلها . فلما رجع ونزل بهم قال : يا أبا جعفر أين كنّا عن هذه الأموال ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، أسرّك أن أخذ عليّ بن عيسى أموال الفقراء والأرامل وجاءك بها نارا يتقرب بها إليك ؟ واللَّه لتعلم إذا وضحت لك عواقب الأمور أنّك تستوخم فائدتها ، ولتفقنّ بدل كلّ درهم دينارا ثم لا تنجو . فقال : عادلت الرشيد حين خرج إلى خراسان فتنفّس تنفّسة كادت نفسه تخرج ، ثم قال : للَّه جعفر بن يحيى ، وذكر كلمته ، وقال : كانت أقوى الأسباب في تغيّري للبرامكة ، وقد واللَّه أنفقت بدل كلّ درهم دينارا وأراني لا أنجو . « 595 » - لما أصاب زيادا الطاعون في يده أحضر له الأطباء ، فدعا شريحا فقال له : لا صبر لي من شدّته فلقد رأيت أن أقطعها ، فقال شريح : أتستشيرني في ذلك ؟ فقال : نعم ؛ قال : لا تقطعها ، فالرزق مقسوم والأجل معلوم ، وأنا أكره أن تقدم على ربّك مقطوع اليد ، فإذا قال : لم قطعتها قلت : بغضا للقائك وفرارا من قضائك . فمات زياد من يومه ، فقال الناس لشريح : لم نهيته عن قطعها ؟ فقال : استشارني والمستشار مؤتمن ، ولولا الأمانة لوددت أن أقطع يده يوما ورجله يوما . « 596 » - لما نزل قوله تعالى * ( وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) * ( الحاقّة : 12 ) قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلم لعليّ : سألت اللَّه أن يجعلها أذنك ، فلم يسمع بعد ذلك شيئا إلا حفظه .
--> « 595 » وفيات الأعيان 2 : 462 - 463 . « 596 » انظر محاضرات الراغب 1 : 39 وفي الأغاني 1 : 81 - 82 حكاية مشابهة عن عمر بن أبي ربيعة وابن عباس وانظر أيضا جامع بيان العلم لابن عبد البر : 117 .